ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

273

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا تمنعها من أن تميد بهم ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثرت طوافهم فقال تعالى وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 1 ) وقال تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً ( 2 ) وقد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض لتفكروا في عجائبها ألم يجعل ظهرها مقرا للأحياء وبطنها مرقدا للأموات قال الله سبحانه وتعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 3 ) فانظر إلى الأرض وهي ميتة فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت واخضرت وأنبتت عجائب النبات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا وجعل به كل شيء حيا فأخرج به فنون الأشجار والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والصفات والأراييح ( 4 ) يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة ولئن قلت إن اختلافها لاختلاف بذورها وأصولها ( 5 ) فمتى كان في النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب ومتى كانت في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة . ثم انظر إلى أراضي البوادي وقس ظاهرها وباطنها فتراها ترابا متشابها فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم ولون وريح وشكل يخالف الآخر فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعه وكيف أودع الله العقاقير المنافع فهذا

--> ( 1 ) سورة الذاريات آية 47 و 48 . ( 2 ) سورة البقرة آية 21 . ( 3 ) سورة المرسلات آية 25 . ( 4 ) الأراييح : جمع الرياح والأرياح . ( 5 ) في بعض النسخ بعد قوله : وتحرج من أرض واحدة [ فواكه قلت اختلافها واختلاف بذورها وأصولها ] .